النويري
51
نهاية الأرب في فنون الأدب
خاثر المدينة غنيّا أغانى بالفارسيّة [ 1 ] ، فأخذت عزّة عنهما نغما وألَّفت [ 2 ] عليها ألحانا عجيبة ؛ فهي أوّل من فتن أهل المدينة بالغناء وحرّض رجالهم ونساءهم عليه . وقال الزّبيرىّ . وجدت مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزّة قالوا : للَّه درّها ! ما كان أحسن غناءها ، وأطلّ صوتها ، وأندى حلقها ، وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهي ، وأجمل وجهها ، وأظرف لسانها ، وأقرب مجلسها ، وأكرم خلقها ، وأسخى نفسها ، وأحسن مساعدتها ! . وكانت جميلة تقول مثل ذلك فيها . وكان ابن سريح في حداثة سنّه يأتي المدينة فيأخذ عنها ويتعلَّم منها ؛ وكان بها معجبا ، وكان إذا سئل : من أحسن الناس غناء ؟ قال : مولاة الأنصار المتفضّلة على كل من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء . وكان ابن محرز يقيم بمكة ثلاثة أشهر ثم يأتي المدينة فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزّة ، وكان يأخذ عنها . وقد تقدّم ذلك في أخباره . وكان طويس أكثر ما يأوى إلى منزل عزّة ، وكان في جوارها ، وكان إذا ذكرها يقول : هي سيّدة من غنّى من النساء ، مع جمال بارع ، وخلق فاضل ، وإسلام لا يشوبه دنس ؛ تأمر بالخير وهى من أهله ، وتنهى عن الشرّ وهى تجانبه ، فناهيك بها ! ما كان أنبلها وأنبل مجلسها ! . ثم قال : كانت إذا جلست جلوسا عامّا فكأنّ الطير على رؤس أهل مجلسها ، فمن تكلَّم أو تحرّك نقر رأسه . وقال صالح بن حسّان الأنصارىّ : كانت عزّة مولاة لنا ، وكانت عفيفة جميلة . وكان عبد اللَّه بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة يغشونها
--> [ 1 ] كذا بالأغانى . وفى الأصل : « أغانى الفارسية » . [ 2 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « وألقت عليهما » الخ .